
أموال الصين وأسلحتها وسياستها في السودان
روبرت جيتس
أمين وزارة الدفاع الأمريكية
في شهرأغسطس، ولأول مرة في التاريخ، ستستضيف الصين دورة الألعاب الأولمبية. وتلك الفترة تمثل أيام العزة بالنسبة لبكين التي تنتهزها فرصة لاستعراض مدى تقدمها حيث أنها ستنعم بإعجاب العالم. وبعيداً عن فخامة الألعاب الصيفية، نجد أن شعب منطقة نائية في أكبر دولة بأفريقيا – شعب إقليم دارفور بالسودان – يجابه الموت والمرض التهجير، مما يرجع إلى عدم وجود ولو جزء صغير لدى الضمير الصيني القاسي. تحتاج بكين إلى الطاقة للإبقاء على نشاط معجزتها الاقتصادية حيث أنها صاغت علاقة قوية مع الحكومة السودانية بالخرطوم. خلال نصف العقد الأخير، نجد أن ما لا يقل عن مئتي ألف مدني قد ماتوا بالإضافة إلى تهجير اثنين ونصف مليون، حيث أن السودان سعت إلى إشعال الاضطرابات في دارفور التي وقعت بين شقي رحى الميليشيات المفوضة محلياً وحكومة الخرطوم، وقد تسببت حملتهم تلك في وجود حالة من السخط في العالم. وعلى الرغم من تورط الصين في مثل هذه المشاكل، فإن ذلك لم يدفعها لكسر علاقتها مع الحكومة السودانية، العلاقة التي أمدت الصين بالبترول والأسواق وزودت الخرطوم بالأموال والأسلحة وحاجز من الشرعية يقف أمام الجهود الدولية المبذولة لإنقاذ شعب دارفور.
وكما يوضح هذا التقرير، فإنه يصعب فهم لماذا طالت معاناة دارفور دون فهم مدى عمق العلاقة التي أصبحت عليها الصين مع حكومة السودان، وكيف أن هذه العلاقة قد ترجمت إلى دعم طغاة دارفور. تعتبر الصين أكبر شريك اقتصادي للسودان وتستحوذ على 75% من صادراتها، وتعتبر أيضا المستشار العسكري للسودان حيث تقدم النصح لجيشها وتمده بالأسلحة، لذا لدى الصين الكثير من النفوذ لكنها لم تستخدم هذه القوة مُفضِّلة وجود حالة من الوئام مع الخرطوم للإبقاء على تدفق البترول. فإذا استغلت الصين نفوذها بالكامل، ستقترب دارفور من السلام وقد يظل الآلاف من الناس على قيد الحياة.
إغراءات النفط
السودان لديها احتياطات هائلة من البترول وهي تصدر المزيد والمزيد إلى الصين.
في الواقع، نجد أن هناك تسع من كل عشر شحنات سودانية تذهب للصين حيث أنها تصل لموانئ إنزال السفن عبر خطوط أنابيب قامت ببنائها شركات صينية ويتم ضخها في ناقلات بترولية موجودة عند المحطات النهائية التي أنشئت بدعم صيني. ومن خلال شركاتها المملوكة للدولة، تسيطر الصين تقريبا على كل مكامن البترول المعروفة في السودان. تملك السودان 19 "منشأة لاستخراج البترول"، لكن تسعة منها فقط هي التي تحتوي على أكبر احتياطي، حيث تستحوذ الصين على أغلب حقوق الحفر في ثمانية منها بمعدلات متزايدة.
اهتمام الصين بالبترول السوداني ليس أمراً محيراً، حيث أنه سيصبح أمراً معروفاً لكل رياضي أولمبي هذا الصيف. تحتاج الصين كل يوم إلى 6.6 مليون برميل بترول للإبقاء على البلاد متقدة ومتحركة ودافئة، فهي أكبر متعطش للبترول في العالم بعد الولايات المتحدة.
ينمو اقتصاد الصين كل عام بما يزيد عن 10% ،وأصبح البترول هو ثمرة النزاعات في السودان أو على الأقل المفهوم الأساسي المتواجد على خلفية الأحداث. تكمن معظم احتياطيات البترول في الأجزاء الجنوبية والمركزية من البلاد حيث دائما ما سعت الخرطوم إلى السيطرة على البترول الصادر والنقود الواردة إلى البلاد. وعندما بدأت الحرب الأهلية الكبرى بين الشمال والجنوب في 1983، نجد أن الحكومة الوطنية قد سارعت بحشد المقاتلون بالوكالة عن الحكومة بغرض إجلاء القرى الجنوبية المحيطة باثنين من حقول البترول المكتشفة مؤخراً.
وقد ارتكب هؤلاء المقاتلون ما هو أكثر من ذلك حيث حرقوا ونهبوا وأجبروا الأطفال على العبودية. اتجهت الأمور للأسوأ عندما تم الإطاحة في عام 1989 بحكومة الخرطوم على يد العسكريين الذين أرادوا فرض سيطرة إسلامية أقوى على أنظمة البلاد السياسية والقانونية.
أصبحت الصين الشريك الأساسي للخرطوم في تطوير البنية التحتية الضرورية لاستخراج ونقل البترول، فقد ساعدت على سبيل المثال في تطوير خطوط الأنابيب الممتدة لمسافة أكثر من 1000 كم بدءاً من حقول البترول وانتهاءاً ببور سودان. ساعدت الشركات المملوكة لحكومة الصين في بناء "بشاير 1" و"بشاير 2" وهما محطتان نهائيتان بحريتان ضخمتان تقعان على بعد 25 كلم جنوب بور سودان بسعة 400ألف برميل. تملك السودان المحطات النهائية، لكن الشركات الصينية تشغلها. استثمرت الصين أيضاً مئات الملايين من الدولارات لتزيد من تطور قدرات السودان على تكرير البترول المستخرج.
باختصار، أصبح تطور البترول السوداني إنتاجاً صينياً كبيراً. تضخ شركات بكين البترول من حقول رئيسية عديدة مروراً بخطوط أنابيب صينية الصنع وحتى صهاريج التخزين صينية الصنع ثم انتظار تقديمها للتجار حيث أن أغلبهم صينيين. لقد حدث تطور هذه السلسلة المربحة في خطوة تزامنية وثيقة الصلة بكميات الفظائع الحادثة في دارفور.
في عام 2000 وقبل حدوث هذه الأزمة، وصل عائد البترول السوداني 1.2 مليار دولار. وبحلول 2006 ومع استمرار الأزمة، حقق الإجمالي ما هو أكثر من 291% أي 4.7 مليار دولار.
كيف تستغل السودان هذا الربح؟
صرح وزير المالية السابق أن 70% على الأقل من أرباح البترول تذهب إلى القوات المسلحة السودانية فيما يتعلق بحلفائهم من الميليشيات والجرائم المرتكبة في دارفور. في العقد الماضي، قدم بنك الصادرات والواردات الصيني إلى السودان 1 مليار دولار في صورة "قروض ميسرة" أي بفائدة قليلة أو دون فائدة. يقصد بالقروض الميسرة على النحو التقليدي، هو بناء المشاريع للبلدان الفقيرة التي هي في أمس الحاجة إليها حيث أنه لا يمكن تطبيقها تجارياً. ويبدو أن احتياطات البترول في السودان لن تدفعها لطلب المساعدة التي يقدمها بنك الصادرات والواردات الصيني. لكن تقديم القروض على أي حال يجعل بكين تصقل صورتها لدى الخرطوم مؤكدة على قدرتها للوصول للنفط والأسواق. كما أن بكين تبدو كريمة عندما تتسامح بشأن القروض حيث أنها قامت بذلك في أكثر من مناسبة.
تقديم أسلحة للخرطوم
يوجد عادة قديمة لنقل السلاح بين الصين والسودان. ففي الستينيات، قدمت الصين 18 طائرة من طراز ميج-17 إلى السودان، وفي السبعينيات، باعت 130 دبابة للسودان. وفي الثمانينيات، شملت القائمة 20 طائرة على الأقل و50 ناقلة جنود مصفحة وأيضاً 50 قطعة مدفعية متطورة.
خلال الحروب الأهلية الطويلة بين الشمال والجنوب، كانت الصين دائماً منحازةً عسكرياً إلى جانب الخرطوم. في السنوات القليلة الماضية، عملت الخرطوم على التوسع في شراء الأسلحة بشكل متضاعف ومع استغلال أرباحها من البترول، أصبح الأمر ممكناً بدعم من الصين.
ففي حين استمرار بحثها عن الأسلحة الثقيلة – مثل الدبابات والطائرات – فإنها تثابر في مواصلة عملها في شراء الأسلحة الصغيرة، وتحديداً ذلك النوع الذي تحتاجه الحكومة السودانية إذا رغبت في إعداد المقاتلين بالوكالة المشاركين في دارفور بالنيابة عنها.
شملت الفترة فيما بين 1999 و2005 بداية وصعود أزمة دارفور حيث أن ما استوردته السودان من الأسلحة الصغيرة قد تضاعف بمقدار 680 مرة.
رأى المراقبون في دارفور أن صناعة الأسلحة الصينية قد شملت قاذفات قنابل وذخائر لبنادق هجوم ومسدسات آلية ثقيلة. ففي الفترة ما بين 2003 و2006، باعت الصين بما يزيد على 55 مليون دولار من الأسلحة الصغيرة إلى السودان. ومنذ 2004، أصبحت الصين المزود الأقرب الوحيد للأسلحة الصغيرة إلى السودان حيث أنها تزودها بمعدل 90% من مشتريات الخرطوم من الأسلحة الصغيرة كل عام.
قرار حظر التسلح الذي أصدره مجلس الأمن – فُرض مبدئياً في عام 2004 بموجب قرار رقم 1556 والذي عُدِّل في 2005 بموجب القرار رقم 1591 – بمنع نقل الأسلحة إلى دارفور. كما أن حكومة السودان أعلنت رفض الالتزام بهذا القرار زاعمة بأن لها حق السيادة بنقل الأسلحة إلى دارفور وهي مستمرة بالفعل في ذلك. ومع استخفاف حكومة السودان بالالتزامات القانونية، استمرت الصين ببيع الأسلحة لحكومة السودان، ذلك أن معرفة وجود هذه الأسلحة في دارفور يضع الصين في موقف المخفق في الالتزام بالقرار.
وكما دعمت الصين قدرة السودان على تكرير البترول في السودان، فقد دعمت أيضاً قدرتها على صناعة الأسلحة في السودان. ساعدت الشركات الصينية في بناء ثلاث مصانع قرب الخرطوم تعمل على إنتاج مسدسات آلية وقاذفات صواريخ ومدافع هاون وأسلحة مضادة للدبابات وذخائر. ووفقا للتقارير، أشرف مهندسون صينيون على العمل في مجمع "جياد" الصناعي قرب الخرطوم الذي يصنع معدات عسكرية ثقيلة مثل الشاحنات والدبابات.
في النهاية، نجد أن كل الذخائر المستخدمة في دارفور يتم تصنيعها في السودان أو الصين، حسب تقرير هيئة الخبراء المُعَّينة من قبل مجلس الأمن بالأمم المتحدة للرقابة على قرار حظر التسلح.
لا تعتبر الصين مصدراً رئيسياً للرصاص والقذائف ووسائل إطلاقها فحسب، بل إنها تقدم أيضاً الخبرات العسكرية. ففي أكتوبر 2005، قام القادة الصينيون ووزير الدفاع القومي السوداني برسم خطة لتحسين مستوى القوات المسلحة السودانية. وكان التعاون واعداً بشكل أكبر في إبريل 2007 أثناء اجتماع قادة القوات المسلحة لكلا البلدين. في ذلك الوقت، صرح وزير الدفاع كاو جانجشوان "تطورت العلاقات العسكرية بين الصين والسودان بسلاسة، كما أن الصين كانت على استعداد للقيام بأكثر من ذلك".
توقفت الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب في عام 2005 عند توقيع اتفاقية السلام الشامل CPA. وكجزء من تلك الاتفاقية، يتم حماية المنشآت البترولية في الجنوب من قبل قوات من الخرطوم وقوات من الجنوب، لكن حتى الآن، يبقى الأمن تحت سيطرة الخرطوم إما بشكل مباشر أو غير مباشر. تنتشر القوات المسلحة السودانية بالقرب من المنشآت البترولية وكذلك "شرطة البترول" المدعومة من الخرطوم لتصبح بقوة 3000 فرد.
نجد أيضاً أن الميلشيات المدعومة من الخرطوم تقدم الحماية لمنشآت استخراج البترول الصينية. وحسب ما نقل عن دبلوماسي صيني، فقد طلبت الصين كل هذه الحماية في عام 2004، حيث أن هناك تقارير غير مؤكدة تفيد بأن الصين تسلح وتدرب الفرق القائمة على تكرير البترول. وسواء ً حدث هذا أو لم يحدث، فإن الأصول الصينية محمية.
الحماية السياسية للصين
فمع الانتباه للوضع الأليم الذي أصبحت عليه دارفور في 2004، بدأ مجلس الأمن بالأمم المتحدة التفكير في وسائل المساعدة. وتمثلت أول استجابة جدية للمجلس في مناقشة القرار رقم 1556 الذي يهدد الخرطوم أولاً بعقوبات اقتصادية إذا لم تبدأ بنزع سلاح الجنجويد ومحاكمة هؤلاء المسئولين عن ارتكاب الفظائع. وهنا تضع الصين حداً على الفور لتلك الجهود بتهديدها استخدام حق الفيتو فيما يتعلق بالقرار 1556 في حال عدم التفاهم بشأن العقوبات، لذا نجد أن الصين اختفت من هذا القرار. وبعد ذلك أحجمت عن التصويت على ما تبقى من أصل مشروع القرار كما لو أن النسخة المعدلة من القرار ستصبح صعبة للغاية على حلفائها بالخرطوم.
وفي نفس العام، ومع استمرار العنف في دارفور، حاولت الأمم المتحدة مجدداً القيام بما سبق وكانت هناك دعوة لاتخاذ خطوات تأديبية، لكن الصين أوقفت ذلك مرة أخرى حيث امتنعت ثانيةً عن التصويت على النتيجة المحسومة، بل وصرحت للمرة الثانية بأن العقوبات تجعل الموقف أكثر سوءاً.
بعد ذلك ببضعة أيام، أثنى الرئيس السوداني البشير على بكين وأيضاً ثلاث بلدان أخرى امتنعت عن التصويت وهي الجزائر وباكستان وروسيا قائلاً "إنهم أصدقاء السودان الحقيقيون". وعند كل منعطف تقريباً، نجد أن الجهود الدولية للاحتجاج وإنهاء المعاناة في دارفور قد اصطدمت برغبة الصين في مساندة الخرطوم، حيث عملت الصين على تنحية الضغط جانباً بكل ثبات والتشجيع على وضع العوائق وأيضاً حماية الكم الهائل من الصلات والعلاقات والصفقات الخاصة بالدولتين.
وفي الفترة ما بين 2004 وأكتوبر 2007، قام مجلس الأمن بمناقشة 14 قراراً جوهرياً عن دارفور واستخدمت الصين نفوذها لإضعاف تسعة منها مما عجَّل بإزالة لغة التخاطب شديدة اللهجة بما في ذلك العقوبات الاقتصادية.
في 31 مارس 2005، نجح مجلس الأمن في إحالة أزمة دارفور إلى النائب العام للمحكمة الجنائية الدولية ICCللنظر في جرائم الحرب المحتملة. لكن الصين لم تستخدم حق الفيتو لإدحاض التوصية. وبالفعل، وبعد 20 شهراً من التحقيقات، وجد النائب العام ما يكفي من الأدلة لتحرير أذونات بالقبض على اثنين من الأشخاص متهماً إياهم بجرائم ارتكبوها في 2003 و2004، الأول هو زعيم الجنجويد علي محمد علي عبد الرحمن والثاني هو وزير الشؤون الإنسانية السوداني أحمد هارون. ورداً على أذونات القبض، وصفت الخرطوم ذلك النائب العام "بموظف صغير يقوم بأعمال رخيصة" حيث صرحت بأن دارفور خالية من جرائم الحرب وأن المحاكم السودانية فقط هي المختصة بالتعامل معهم، ومن ثم يملك الشخصان حرية التجول بالبلاد. بعد إصدار لوائح الاتهام، أصبح هارون مخولاً بالقيام بمسؤولية جديدة حيث أصبح المسئول عن عمليات الإنقاذ في مخيمات اللاجئين.
أهي سياسة تحول؟
في مايو 2006، قامت الخرطوم ومجموعة المتمردين بالتوقيع على اتفاقية سلام دارفور مما أدى إلى بدء المناقشات في الأمم المتحدة حول نشر 26 ألف من القوات الأجنبية لفصل المتمردين عن المليشيات التي تدعمها مجموعة الخرطوم. رحبت الخرطوم مبدئياً بفكرة قوات حفظ السلام مع (الكف عن استخدام السلاح)، حيث أنها تستنكرها كشكل من أشكال الاستعمارية الجديدة. حاربت الصين في مجلس الأمن لتجريد قوات الأمم المتحدة من الأداة الوحيدة التي سيحتاجونها لحفظ السلام (القدرة على استخدام القوة عند الضرورة). أضاعت الصين تلك الجولة، لكن السودان شكرتها على مجهودها، حيث قال الرئيس البشير خلال زيارة له إلى بكين عقب التصديق على قرار حفظ السلام "نقدر الدعم الذي قدمته لنا الصين في مجلس الأمن".
وفي ظل وجود الضغط الدولي، بدأت الصين ببطء في تعديل وضعها وحثت الخرطوم على الإذعان للقبول بالقوات – مع أنها قامت بذلك بصورة شخصية. تعهدت الصين أثناء نشر القوة بتعيين 275 مهندس عسكري صيني على سبيل الدعم، كما قدمت 10 مليون دولار كمساعدات إنسانية وعينت مبعوثاُ خاصاً في دارفور الذي صرح بأنه أخبر الخرطوم بقلق الصين بشأن مسألة نفاذ أسلحتها في القتال بدارفور.
أخيراً، وافقت الخرطوم على قوات حفظ السلام وأعلنت الصين أن القرار كان دليلاً على حكمة العلاقة الوثيقة بالسودان حيث استخدمت نفوذها من أجل قضية جيدة وطلباً للثقة. وكما دفعت الصين الخرطوم نحو القبول بقوات حفظ السلام العام الماضي، فإنها قامت بتوقيع صفقة قدرها 1.2 مليار دولار لبناء خطوط سكك حديدية بين الخرطوم وبور سودان، حيث أسقطت 80 مليون منها في دين سوداني وعملت على تدوير رأس مال قدره 12.9 مليون دولار كقرض للقصر الرئاسي.
وفي العام الماضي، عند تعثر البشير بشأن قوات حفظ السلام وحديث الأمم المتحدة مرة أخرى عن العقوبات، عملت الصين على التخفيف من حدة المناقشات حيث أنها أجرت قبل ذلك مناقشات عن العقوبات. تعكس كل هذه الخطوات بقوة مدى تأثير الصين على حليفتها، وحتى الآن، لم تدفع الصين الكثير لقاء بقائها قريبة من السودان ذلك أن البترول يستمر في تدفقه إلى الاقتصاد الصيني. لكن هناك خطورة على الصين: الإبقاء على معجزتها الاقتصادية مستمرة وأيضاً مواجهة المتطلبات الديمقراطية لشعبها، فالصين تحتاج إلى ما تحتاج إليه أي دولة رأسمالية: الاستقرار في الأسواق وضمان أمان استثماراتها، لكن وقوفها الثابت بجانب النظام المضطرب في الخرطوم يُعرِّض ذلك الاستقرار للخطر، فقد لا تحمي حكومة الخرطوم استثمارات واحتياجات الصين. كيف يشعر القادة اللاحقون تجاه الدور القمعي الذي تلعبه الصين؟؟ - تطول الذكريات، وقد لا يتدفق النفط على الدوام.
صرح مسئول ينتمي إلى جانب الجنوب في الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب بأن "الصين هي العدو رقم واحد لأنها أبقت على وجود البشير في السلطة لمدة طويلة بإمداده بالأسلحة ليفوز بالحرب في الجنوب، كما أمدوهم بطائرات هليكوبتر مقاتلة في الهجوم على (بنتيو) وغيرها من الأماكن، إنهم أشرار، ويقدمون الدعم العسكري لمناصرة الحكومة على دارفور، فهم بالتأكيد أشرار".
في الواقع، يبدو أن المستقبل يتحقق بالفعل. فطبقاً لبنود اتفاقية 2005 لإنهاء الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، نجد أن الحكومة الجديدة للسودان الجنوبي لها الحق بعمل استفتاء في 2011 حول أحقية انفصاله. فإذا انفصل، سيأخذ معه الكثير من حقول البترول السودانية، فقد ظل الجنوب يشتكي لسنوات من تعذر حصوله على نصيب عادل من تلك الحقول وأوضح أن الصفقات التي تتفاوض الخرطوم والصين بشأنها من حيث حق الحفر وخطوط الأنابيب، قد لا تنعقد فيما بعد.
إذا كان شبح انفصال الجنوب السوداني يجعل الصين متعصبة, فإنه يعتبر شيء غير مباشر مقارنة بالحيوية التي توحي بها الألعاب الاولمبية.
تواصل الصين مزاعمها بأن لها تأثيراً محدوداً على الخرطوم، حيث صرح المندوب الخاص لحكومة الصين "ليو جيجين" حول قضية دارفور:"لقد استخدمت الصين بالفعل نفوذها بحَثِّ السودان على القبول بقوات حفظ السلام". بالرغم من هذه الاحتجاجات، فإنه يتضح شعور الصين بالإثارة، حيث أن زيارة الأيام الخمس التي جرت مؤخراً للمبعوث الخاص الصيني إلى دارفور هي دليل على ذلك. تتعرض الألعاب الأولمبية لخطر عدم ظهورها بنفس مستوى النجاح الصيني حيث أنها تُعد تذكيراً لما لم تقم به الصين نحو دارفور. حملة العلاقات العامة الصينية للتقليل من شأن نفوذها في السودان وفي نفس الوقت طلب الثقة للعب دور إيجابي، قد وصلت حدها الأقصى.
لكن إذا أرادت الصين الحصول على الإعجاب في الأولمبياد، فإنه يجب عليها عمل المزيد لوقف الفظائع المستمرة في دارفور وضمان مثول هؤلاء المسئولين عن ارتكاب تلك الجرائم أمام العدالة.
في الفصل الأخير من هذا التقرير، تٌقدم لجنة حقوق الإنسان أولاً Human Rights First العديد من التوصيات يمكن للصين اتخاذها كإجراءات ملموسة تُظْهر مدى التزامها بالسلام والعدل والاستقرار في السودان.
أولاً وبادئ ذي بدء، يجب على الصين:
- إنهاء عمليات نقل الأسلحة إلى كل الأطراف المتورطة بالنزاع في دارفور، بما في ذلك الحكومة السودانية، لضمان تنفيذ الحظر الذي فرضته قرارات مجلس الأمن 1556/2004 و1591/2005. يجب على الصين أيضاً أن تلغي أي شكل من أشكال الدعم العسكري للحكومة السودانية، بما في ذلك أنشطة التدريب.
- دعم قرار حظر التسلح في دارفور والسودان كله، والذي فرضه مجلس الأمن بالأمم المتحدة وأيضاً منع الإمداد بالأسلحة أو بيعها أو التعامل بأي مواد ذات علاقة مع الجماعات المسلحة (التي لا تنتمي للدولة) والموجودة في تشاد أو يتم إدارتها من هناك.
- استخدام نفوذها لضمان أن عمليات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة/الاتحاد الأفريقي والتي أقرتها بعثة الاتحاد الأفريقي للأمم المتحدة في دارفور UNAMID التابعة لمجلس الأمن، يتم نشرها في دارفور على الفور. يجب على الصين أن تحث الحكومة السودانية على القبول غير المشروط بتخطيط العمليات والذي اقترحته الأمم المتحدة، وأيضاً إزالة كل المعوقات القانونية والإدارية والعملية التي يمكن أن تحول دون انتشار القوات. يجب على السودان تجنب الوفاء بالتزاماتها القانونية بإعاقة الانتشار الكامل والفعال لقوات UNAMID، ويجب على الصين دعم الجهود المبذولة في مجلس الأمن بالأمم المتحدة لتطبيق العقوبات المطلوبة على أهم المسئولين بالحكومة السودانية بما في ذلك الرئيس عمر البشير. بالإضافة إلى أن الصين يجب عليها تمويل وربط القوات الإضافية بقوات UNAMID والمساعدة في عمليات النقل ليلاً ونهاراً والإمداد بطائرات الهليكوبتر التي تحتاجها UNAMID لضمان فعالية عمل المهمة.
- أن تدعم عموماً الجهود المبذولة لتقديم الأفراد المسئولين في السودان أمام المحكمة الجنائية الدولية ICC عن الفظائع الكبرى التي ارتكبوها. يجب على الصين أن تستحث السودان بشكل دقيق، على الإذعان للقرارات التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق باعتقال (أحمد هارون) و(علي قُشَيب) وأيضاً تسليمهما إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم ارتكبوها ضد الإنسانية وجرائم الحرب في دارفور.
للحصول علي التقرير كاملا باللغة الانجليزية أنظر المرفق
| المرفق | الحجم |
|---|---|
| China-Investing in Tragedy FINAL 3-11-08.pdf | 1.33 ميجابايت |





