دارفور: ألاف المعاقين فى حرب لم تضع أوزارها بعد


أشرف ميلاد روكسى*
لم تكن الحرب التى شنتها الحكومة السودانية على أحد أقاليمها الشاسعة (إقليم دارفور) منذ عام 2003 حتى الأن مجرد محاولة لقمع تمرد أو سيطرة على أراض بل كانت (وللأسف لا زالت) حرب إبادة ضد مدنيين ينتمون عرقيا إلى إفريقيا لا للعرب. ولعل المتابع لتطورات الوضع هناك منذ بدء العمليات العسكرية يتضح له أن الهدف من هذه الحرب هو قتل أكبر عدد من الأفارقة وحرق قرى بأكملها وهلك الزرع والنسل.

ولقد تسنت لى فرصة زيارة معسكرات اللاجئين فى شرق تشاد عام 2005 (معسكرى ميلا و كونونجو) لأقابل أكثر من عشرين عائلة تم تهجيرهم قسرا من دارفور وكانت شهاداتهم كلها تجمع على ان القصف كان يتم من الجو ثم يتولى رجال القبائل العربية (الجنجويد) مهمة الإجهاز على من تبقى على قيد الحياة واستطاع الفرار من  ذلك الجحيم الذى كان ينزل عليهم من طائرات الأنتينوف التى كانت تمطر أهالى دارفور بزخات من اللهيب. ولقد اتضح أيضا أنه بسبب كون الحكومة السودانية لا تمتلك ميزانية كبيرة لشراء متفجرات، كانت تعمد إلى إرسال رجال الجيش إلى ورش الحدادة وبالأمر يحصلون منهم على البراميل وقطع الحديد (الخردة) لملىء هذه البراميل بالبارود وقطع الحديد لإلقائها من الطائرات لإحداث أكبر عدد من الوفيات. وعادة ما كانت تستقر قطع الحديد هذه فى أجساد صغار السن والعجائز الذين لم يتمكنوا من الجرى تفاديا لكرات الجحيم هذه.


ولعل الحديث عن المعاقين الذين تسببت حرب الإبادة هذه فى إعاقتهم لن يكون من الدقة بمكان (وهذا لأسباب عديدة أولها صعوبة حصر حالات الإعاقة فى دارفور لأنها مناطق نائية من قبل السلطات السودانية وليس أخرها بالطبع عدم رغبة الحكومة السودانية فى الإعلان عن ضحايا عملياتها العسكرية). وبالرغم من ذلك، فإن وزارة الرعاية الإجتماعية السودانية قد قدرت عدد المعاقين فى ولايات دارفور الثلاث (البالغ تعداد سكانها حوالى الستة ملايين نسمة) كالتالى:  ولاية جنوب دارفور : 39109 معاق، ولاية غرب دارفور: 26743 معاق، ولاية غرب دارفور: 26743 معاق. ولكى نتخيل معا العدد الحقيقى للمعوقين بسبب الحرب فى دارفور بغض النظر عن التقارير الرسمية فى السودان، علينا أن نعلم أنه وفقا لتقرير جون هولمز (وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشئون الإنسانية) فى أبريل 2008، فإن عدد الذين فقدوا حياتهم من جراء الحرب فى دارفور هو 300.000 قتيل بينما تصر حكومة الخرطوم على أن عدد الضحايا لا يتجاوز التسعة آلاف قتيل. هذه الفجوة الشاسعة بين التقديرين ربما تعطيك, عزيزى القارىء, فكرة عما قد يكون العدد الحقيقى للمعاقين بسبب الحرب فى دارفور.

مثال أخر.. أذكر أنه فى سبتمبر عام 2007، جاء الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كى مون إلى دارفور وكان لنا لقاء معه فى مقر القوات الإفريقية فى شمال دارفور وكنت ممثلا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائى فى ذلك الوقت وكان قد ذكر أن الحكومة السودانية فى تقريرها له قد قالت أن عدد الذين عادوا إلى ديارهم تاركين معسكرات النازحين هو 29.000 نازح قد عادوا إلى قراهم بعد شعورهم بالأمان لانتهاء المعارك. وأذكر أن بعض الحاضرين من موظفى الأمم المتحدة قد ضحكوا عندما قدمت نفسى قائلا أن أحد مهام مكتبنا فى شمال دارفور هى استقبال النازحين الجدد فى معسكر أبو شوك فى شمال داروفو ويقدر عددهم فى الشهور الثلاثة السابقة حوالى 15.000 نازح جديد للمعسكرات!!!


لا يجد المعاقون فى دارفور العناية اللازمة وتستطيع وأنت فى السوق الرئيسى بمدينة الفاشر أن ترى العديد ممن فقدوا بعض أطرافهم يتسولون أمام المطعم الرئيسى والذى يرتاده موظفو الأمم المتحدة. بل أننى على مدى 15 شهرا من العمل فى شمال دارفور لا أذكر أننى قد رأيت أحد المعاقين مزودا بأى من الأجهزة التعويضية إلى القليل جدا ممن تبنتهم  بعض منظمات الإغاثة الدولية أو الإسلامية ناهيك عن عدم وجود برامج للتأهيل الجسدى والنفسى أللهم إلا مركز الأمل لتأهيل ضحايا التعذيب فى شمال دارفور والذى ليس بأفضل حالا من مركز النديم فى مصر الذى يعانى من (رزالة) السلطات المصرية بسبب دوره المتميز فى خدمة ضحايا التعذيب. نفس الموقف فى معسكرات لاجئى دارفور فى شرق تشاد حيث لا توجد أية عناية تذكر بالمعاقين و قد يتلقى أحدهم علاجا أو تأهيلا بالمصادفة!!!


بقى أن تعلم، عزيزى القارىء، أن هؤلاء الضحايا الذين أصيبوا أو فقدوا أطرافهم ليس لهم حق فى التعويض بل هم فى معسكرات النازحين فى دارفور يعاملون معاملة الأعداء المحتملين بسبب انتماءاتهم العرقية. فالمعاق فى دارفور ليس له ذنب فيما حدث، وليس له علاج إلا فيما ندر وليس له تأهيل فهذا ترف، وليس له تعويض فهم مجرم لأنه إفريقى وللأسف الشديد ليس للجزء الذى فقده من جسمه ثمن.
 


* كاتب المقال: محام للاجئين وعمل ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائى بدارفور    

المبعوث الأمريكي ريتشارد وليامسون يبدأ مباحثات مع مسئولين سودانيين تشمل قضيتي دارفور والمحكمة الجنائية الدولية



اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية بالقاهرة في 11 أكتوبر لبحث أزمة البشير والمحكمة الجنائية الدولية




الاتحاد الأفريقي: لا تطالبوا بتجميد تحقيق المحكمة الجنائية الدولية الخاص بالرئيس البشير-رسالة إلى مجلس السلم والأمن بالإتحاد الأفريقي





احمد هارون - علي كشيب

احمد هارون - علي كشيب مطلوبين للعدالة الدولية لاتهامهم بجرائم حرب في دارفور



إنضم لقائمة المراسلات

منظمة العفو الدولية

منظمة هيومان رايتس ووتش

مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان