
مدى اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في محاكمة الأفراد السودانيين
يجب أن لا يساهم المجتمع الدولى فى انهيار عملية السلام والتحول الديمقراطي برمته في السودان
حماد وادي سند الكرتى (محامى وباحث قانوني)
كثر الحديث في هذه الأيام عن المحكمة الجنائية الدولية, وماهيتها, ومدى اختصاصها في محاكمة أفراد سودانيين ينتمون إلى الحكومة السودانية, وأزداد الحديث ضرواة عن المحكمة الجنائية الدولية عندما تسربت أنباء عبر وسائل الإعلام, عن عزم مدعى عام المحكمة الجنائية الدولية السيد / لويس مورينوا اوكامبوا, عن تقديم أدلة قوية ضد رمز الدولة السودانية الرئيس / عمر البشير, وبالفعل عقد السيد / اوكامبوا مؤتمرا صحفيا فى يوم الاثنين الموافق 14/ يوليو, وفى مقر المحكمة قدم خلالها أدلة قوية تثبت تورط – الرئيس السوداني الحالي فى ارتكاب جرائم الابادة الجماعية او التطهير العرقي, وجرائم ضد الإنسانية, وجرائم الحرب, ضد المدنين العزل في إقليم دار فور المضطرب منذ العام 2005 م, وحتى تاريخ لحظة كتابة هذه السطور .
والخطير في الأمر أن المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية, وجه إلى الرئيس السوداني, اتهام ارتكابه جريمة الابادة الجماعية او التطهير العرقي فى إقليم دارفور, المنطقة الواقعة فى أقصى غرب السودان, فضلا عن جرائم الحرب, وجرائم ضد الإنسانية, ونعتقد أن هذه سابقة خطيرة فى تاريخ البشرية, وهنا نلاحظ ان المدعى العام فى خلال المرات الفائته لم يوجه جرائم الابادة الجماعية ضد كل من احمد هارون وعلى كشيب, فى صحيفة الاتهام, حيث ان التهم كانت تتعلق بجرائم الحرب, وجرائم ضد الإنسانية فقط.
ان جريمة الابادة الجماعية او التطهير العرقي, جريمة خطيرة للغاية تنفر منها الطبائع والنفوس السليمة, وباستقراء
تاريخ البشرية نجد ان جريمة الابادة الجماعية, قد لطخت تاريخ البشرية, حيث ارتكبت تلك الجريمة ضد السود والغجر واليهود فى ألمانيا النازية فى عهد / الديكتاتور – ادولف هتلر, حيث أطلق على حملته الحل الأخير, ولكن فى النهاية منى بهزيمة نكراء, أيضا موسيلينى, ديكتاتور ايطاليا, وما وقع للأرمن فى عهد تركيا الصاعدة, وفى عهد الرئيس العراقى السابق, حيث ارتكب جرائم الابادة الجماعية ضد شعبه فى الموصل, وحلبجة, وغيرها من مناطق العراق, وكانت نهايته أليمة حيث زج به الى نار جهنم يعذب فيه الى يوم القيامة, وهذا هو مصير الظالمين.
وفى أفريقيا وبالتحديد فى رواندا فى العام 1994 وقعت الابادة الجماعية ضد قبائل التوتسي من قبائل الهوتوا . تلكم هى الابادة الجماعية التي وقعت على مر تاريخ البشرية. وفى العام 2004 م, تم تكليف الأمين العام للأمم المتحدة السابق السيد / كوفى بتشكيل لجنة دولية لتقصى الحقائق, حول مزاعم الابادة الجماعية فى إقليم دار فور, حيث
جاء تقرير اللجنة الدولية, ان هناك اى في الإقليم وقعت انتهاكات خطيرة ضد حقوق الإنسان, وجرائم دولية خطيرة لا توصف, ولكن فى نفس الوقت استبعدت اللجنة الدولية وقوع جريمة الابادة الجماعية, حيث ذكرت ان هناك جرائم لاتقل خطورة عن جريمة الابادة الجماعية قد وقعت فى الإقليم, غير انها أكدت ان جرائم الحرب, وجرائم ضد الإنسانية قد وقعت فى الإقليم, ولمز يدا من التفاصيل حول الموضوع يمكن مراجعة التقرير 2004 م .
وفى نهاية الأمر تركت اللجنة الأمر للمحكمة الجنائية الدولية لتقرر ماذا كان جريمة الابادة الجماعية او التطهير العرقي قد وقع ام لا فى الإقليم, وذلك من خلال الأدلة المقدمة من اللجنة الدولية.
وفى هذه العجالة السريعة نود ان نتطرق الى ماهية المحكمة الجنائية الدولية, ومدى اختصاصها فى محاكمة الأفراد السودانيين, وما هو الحل والمخرج السليم من هذا المأزق الخطير؟ ماهية المحكمة الجنائية الدولية :
حسب ما جاء في نظام روما الاساسى للعام 1998, والمؤسس للمحكمة الجنائية, ان المحكمة الجنائية هيئة قضائية دولية مستقلة, تختص بالنظر فى الجرائم الخطيرة التي تقع ضد الإنسانية, والتي تقلق مضجع المجتمع الدولي, وهذه الجرائم جاء ذكرها على سبيل الحصر لا المثال, وهى جرائم الابادة الجماعية, جرائم ضد الإنسانية, وجرائم الحرب. ومن الجدير بالذكر أن اى هيئة قضائية فى العالم سواء كان قضاء وطنيا, ام قضاء دوليا له شقين, الأول, الشق الموضوعي, أما الشق الأخر فهو الشق الاجرائى, أما بخصوص الطابع او الشق الموضوع فهو المتعلق بموضوع المحكمة, وفى حالة المحكمة الجنائية فان الجانب الموضوعي فيها يتمثل فى الجرائم التي ذكرنها أنفا, أما الشق الاجرائى, فهي الإجراءات التي تقوم بها المحكمة الجنائية تجاه اى قضية من القضايا, بداية من التحقيق, ومرورا بالمقبولية, توجيه التهم إلى الأشخاص, واومر القبض, والمحاكمات, وتنفيذ تلك المحاكمات التي تصدر من المحكمة . اذا هذا هو الطابع الاجرائى والموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية .
إن المحكمة الجنائية الدولية يعقد لها الاختصاص, اذا وقعت إحدى الجرائم السابقة, وفى نفس الوقت تكون الدولة صاحبت الشـأن غير قادرة, او غير راغبة فى محاكمة الأشخاص الذين تثبت تورطهم في ارتكاب الجرائم, على كل حال فان الاختصاص ينعقد للمحكمة الجنائية, اذا ما توفرت إحدى شروط ثلاثة,
وبمعنى أخر ان الإحالة إلى المحكمة الجنائية تتم عبر احدى الطرق الاتية :
اولا : عن طريق الدولة صاحبت الشأن, وذلك مثل حالة شمال أوغندا, وجمهورية الكنغو الديمقراطية, جمهورية أفريقيا الوسطي.
ثانيا : عن طريق المدعى العام نفسه ( مدعى المحكمة الجنائية )
ثالثا : عن طريق مجلس الأمن ( حالة إقليم دار فور – القرار 1593 ) .
وبالتركيز للحالة فى السودان – حالة إقليم دار فور, نجد ان الإحالة تم عبر مجلس الأمن إلى المحكمة الجنائية الدولية, بموجب القرار 1593, والصادر فى العام 2005 م, وبهذا فان المحكمة الجنائية تعتبر مختصة بالنظر في الجرائم التي وقعت فى الإقليم, تختص بمحاكمة الأفراد الذين تورطوا في ارتكاب تلك الجرائم الخطيرة التي تقلق مضجع المجتمع الدولي. وليس هناك فى الأمر كثرة حديث. ان الدولة السودانية, وقعت على النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية فى العام 2002 م, ولم تصادق بعد على النظام, ومن المعلوم هناك فرق بين التوقيع والتصديق, وفى هذا الصدد ليس هناك اى فائدة تذكر من توقيع السودان او عدم توقيعه, او تصديق او عدم التصديق لأن الأمر مفرغ منه تماما حيث أحيل الحالة فى دار فور عن طريق مجلس الأمن , ويستطيع السودان ان يسحب توقيعه , ومع ذلك فان الأمر يبقى كما هو اذا الأمر غير متعلق بالتوقيع او عدم التوقيع على الإطلاق .
المحكمة الجنائية الدولية دورها تكميلي وليس اساسى :
نعم إن دور المحكمة الجنائية الدولية دورها تكميليا , وليس أساسيا, وذا كان الأمر كذلك فلماذا لا تترك المحكمة
الجنائية الأمر للقضاء السوداني لمحاكمة اى شخص ثبت تورطه فى ارتكاب جرائم فى الإقليم, ومن المعلوم ان القضاء السوداني عبر التاريخ مشهود له بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية؟ ان الإجابة على هذا التساؤل يكمن فى ما قاله مدعى المحكمة الجنائية الدولية, فى ان القضاء السوداني غير قادر, وفى نفس الوقت غير راغب فى محاكمة الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم لا توصف فى حق المدنين العزل فى الإقليم, وان المجرمين من الجنجويد وغيرهم يتطلعون الى الإفلات من العقاب, لذا اختصت المحكمة الجنائية الدولية فى ازمة إقليم دار فور.
وفى بداية الأمر اذا قامت الحكومة السودانية وبصورة جادة فى محاكمة المجرمين فان الاختصاص كان سوف ينتفي للمحكمة الجنائية الدولية لأن الأصل هو القضاء الوطني وليس القضاء الدولي, واذا كانت الحكومة السودانية قامت بذلك لما ألت اليه الأوضاع كما نحن الان, من تكالب دولي خطير على السودان, وهذا التكالب ربما يهدد عملية السلام والتحول الديمقراطي فى السودان.
ويجب على المجتمع الدولي ان لا يساهم فى دفع السودان نحو الانزلاق الخطير نحو الهاوية السحيقة. فى حقيقة الأمر ان الموضوع خطير للغاية, والسابقة فريدة من نوعها , ويجب ان لا يفرح الجماعات المتمردة بهذا النبأ, فان المتمردين أيضا قد اقترفوا جرائم خطيرة فى حق المدنين العزل فى إقليم دار فور, والعدالة لاتتجزا .
ان ما يؤسف له ان الأدلة التي استند اليها المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية فى ما يتعلق بتهمة الابادة الجماعية التي وجهت الى الرئيس السوداني, ان اكثر من 50% من الادلة كانت من تصريحات واعترافات البشير نفسه, فمثلا فى إحدى الخطابات الجماهيرية, والذي بثه تلفزيون السودان, حيث اعترف الرئيس البشير فى خطابه بأن الذين لقوا مصرعهم فى الإقليم لا يزيد عن10 آلاف شخص, حيث استنكر البشير مقتل( 300) الف شخص كما يرددها بعض المنظمات الدولية ومن بينها منظمة الأمم المتحدة, غير ان الابادة الجماعية لا يتوقف على الكم من القتلى, فمثلا فى احدى الدول الآسيوية قام رئيسها بتصفية ربع السكان فى خلال أعوام قلائل, ومع ذلك لم يقل احد انه ارتكب جريمة الابادة الجماعية, وما وقع فى كمبوديا, لا ينطبق عليها جريمة الابادة الجماعية, وفى اليابان عندما ألقت القوات الجوية الأمريكية القنابل النووية على مدينتي هورشيما ونجازاكى, وكانت النتيجة ان قتل مئات اللاف من البشر, ومع ذلك لم يقل احد بوقوع جريمة الابادة الجماعية.
اذا نخلص من ذلك ان الابادة الجماعية لا يتوقف على الكم, وانما يتوقف على القصد الجنائي لدى المجرم .
كما ان البشير فى إحدى خطاباته ذكر انه لا يريد جريحا او أسيرا, هذا الكلام تلقفه المدعى العام, والحق ان هذه التصريحات خطيرة, ويخالف القانون الدولي, والمتمثل فى قانون جنيف للعام 1949 م, وخاصة نص المادة الثالثة المشتركة بين القوانين الأربعة, والمتعلقة بالنزاعات المسلحة غير الدولية .
ما هو الحل :
إن المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية السيد / لويس مورينوا اوكامبوا, سوف يسير فى طريقه, ولم ولن يثنيه عن ذلك شيء مادام يجد تأييدا دوليا قويا, ولن يستطيع السودان والدول العربية جميعا مجابهة ارداة المجتمع الدولى, لذا فان الهتافات, البيانات السياسية, والمظاهرات الشعبية لموظفى المجتمع المدنى فى السودان, الاجتماعات الطارئة لجامعة الدول العربية, والاتحاد الافريقى, كل ذلك لايجدى بشىء الا اذا تعاملنا مع الواقع بموضوعية, ونعنى هنا يجب ان نواجه القانون بالحجة القانونية, هذا هو الاجدى فى وجهة نظر القانونيين. فاذا ما اردنا مصلحة الوطن العزيز علينا ان نسلك هذا المنطق الموضوعي, ومما يؤسف له ان هناك بعض الانتهازيين المنافقين من القانونيين النفعين فى السودان, لا يقدمون المشورة القانونية السليمة اذا طلب منهم ذلك, بل كانوا يقدمون الاستشارات القانونية وما يتماشى مع مصالحهم الذاتية مما اضر بالوطن كثيرا.
المصالحة الوطنية, او الوئام الوطني فى السودان :
لقد ظللنا ومنذ زمن بعيد ننادى بتطبيق برنامج المصالحة الوطنية او العدالة الوطنية فى السودان بصورة عامة, وإقليم دار فور على وجه الخصوص, لان السودان وعبر تاريخه الطويل, اى منذ ان نال استقلاله فى العام 1956 م, خاض حروب أهلية طويلة ابتداء من حرب الجنوب, الذي استمر أكثر من 21 عاما كأطول حرب أهلية يشهدها القارة الأفريقية, حيث قتل المليون ونصف المليون من ابناء الشعب السوداني, وفى الوقت الذي كان فيه الجانبان يوقعان اتفاق السلام فى كينيا فإذا تمرد يندلع فى غرب السودان, هذا فضلا عن التمرد الذى اندلع من قبل فى شرق السودان, وجنوب النيل الازق, جنوب كرد فان فى منطقة جبال النوبة, وغيرها من المناطق, كل تلك الحروب الأهلية تسببت بقوة فى رتق النسيج الاجتماعي فى السودان مما كان له أثرا سيئا فى إضعاف الجبهة الوطنية للسودان , لذا فاننا نرى ان للعدالة الانتقالية هو الحل الأنجع لحل مشاكل السودان, وليس هناك متسع لبيان موضوع العدالة الانتقالية غير ان العدالة الانتقالية تعنى باختصار شديد, المحاكمات, ولجان التحقيق, وإصلاح المؤسسات فى الدولة والموظفين كذلك, نبش الماضي الأليم, تعويض الضحايا, وإحياء الذكرى, والنصب التذكارية, غير ان العدالة الانتقالية يتوقف نجاحها على الارداة السياسية الجادة .
الحجج القانونية والدبلوماسية :
يجب ان لا نستبق الأحدث, حتى الآن فان المدعى العام للمحكمة الجنائية الدولية قدم طلبه إلى قضاة المحكمة الجنائية
الدولية يطلب منهم إصدار امر بالقبض على الرئيس البشير حيث قدم المدعى أدلة فى حقيقة الأمر انها أدلة قوية, ولأول مرة يذكر المدعى جريمة الابادة الجماعية فضلا عن جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية إنها بالفعل سابقة خطيرة للغاية, ويعتقد المدعى العام ان هناك مبررات قوية ومعقولة جعلته يعتقد ان الرئيس السوداني قام بارتكاب
جرائم الابادة الجماعية, وجرائم الحرب, وجرائم ضد الإنسانية فى حق قبائل معينة فى دار فور, وذكر بالتحديد ثلاثة قبائل, هى الفور, والمسا ليت, الزغاوة, حيث قال المدعى ان البشير قد دبر ونفذ خطة لتدمير جزء من مجموعات القبائل التي ذكرت انفا, هذا هو طلب المدعى العام لقضاة المحكمة الذين سيدرسون الطلب, وفى نهاية الأمر إما يوافقون على الطلب واما يرفضون, واذا ما افترضنا جدلا ان القضاة أصدروا مرا بالقبض على البشير, فيمكن للحكومة السودانية ان تستفيد من نص المادة 16 من النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية, والتي تنص على : انه لا يجوز البدء او المضي فى تحقيق او مقاضاة بموجب هذا النظام الاساسى لمدة (12) شهرا بناء على طلب من مجلس الامن الى المحكمة بهذا المعنى يتضمنه قرار يصدر عن المجلس بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة, ويجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط ذاتها) اذا تستطيع الحكومة السودانية ان تقدم طلبا إلى مجلس الأمن يطلب فيها أرجاء محاكمة البشير الى عام, وفى خلال العام تكون الحكومة السودانية قد وجدت حلا ناجعا للمشكلة القائمة بينا وبين المحكمة الجنائية الدولية, هذا هو الحل يكون عبر القانون والطرق الدبلوماسية وعبر
التعاون التام مع المحكمة الجنائية الدولية, وذلك بموجب القرار 1593 الصادر من مجلس الأمن فى العام 2005 م, والذي يلزم حكومة السودان بضرورة التعاون التام مع المحكمة الجنائية الدولية ولا أرى حلا غير ذلك .
حماد وادي سند الكرتى (محامى وباحث قانوني) - hammadsand_arco@yahoo.com





