المستشار هشام البسطويسي يكتب: نعم يجب أن يحاكم البشير دوليا ولو اعتصم بحصانة مغتصبة

 

المستشار هشام البسطويسي-
22 يوليو 2008


أسلم أن للأستاذ الدكتور محمد سليم العوا قدرا وفضلاً وسبقًا، ولكني أعرف أيضا بأن من فضائله قبول الاختلاف في الرأي والرؤي دون أن يفسد ما بيننا من مودة وتقدير. وليسمح لي بأن أستغل فضله وطيب خلقه في إبداء الملاحظات التالية:

١- إن عدد الدول المصدقة علي اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية هو ١٠٧ دول، من بينها ثلاث دول عربية، بعد مصادقة دول جزر القمر بتاريخ ١٨ من أغسطس سنة ٢٠٠٦، وعدد الدول التي وقعت علي الاتفاقية دون أن تستكمل إجراءات التصديق بلغ ١٣٩ دولة من بينها ثلاث عشرة دولة عربية، منها مصر والسودان، بينما هناك ثمان دول عربية لم توقع حتي الآن علي الاتفاقية.

٢- قبل إنشاء المحكمة الجنائية الدولية كانت المحاكمات الجنائية تتم بالمخالفة لقواعد العدالة، فكانت تتشكل المحاكم الجنائية انتقائيا بمناسبة حالة معينة، وبعد وقوعها، مما كان يحيطها بشكوك كثيفة عن حيادها ومصداقيتها وعدالتها، كما هو الحال في محكمة نورمبرج ومحكمة طوكيو اللتين انعقدتا - عقب الحرب العالمية الثانية - بإرادة مجموعة من الدول المنتصرة لمحاكمة مجرمي الحرب في دول المحور (والتي لم تكن بالطبع طرفا في قرار إنشائها)، وكذلك الأمر في شأن محكمة يوغوسلافيا ومحكمة رواندا،

والمحاكم الخاصة بالبوسنة والهرسك، وكوسوفا، وتيمور الشرقية، وكمبوديا، وسيراليون، وعدد كبير من لجان التحقيق الدولية في بوليفيا والأرجنتين وتشيلي والسلفادور وجواتيمالا وزيمبابوي وأوغندا وتشاد ومقاضاة رئيسها حسين حبري أمام المحاكم البلجيكية ثم السنغالية عن جرائم وقعت في تشاد، والفلبين وسريلانكا وغيرها كثير،

فأيهما أفضل لأي متهم في حالة دارفور: أن يحاكم أمام محكمة جنائية دولية مستقلة ودائمة وقائمة قبل وقوع الحالة محل الاتهام، وتم تشكيلها عن طريق انتخاب الجمعية العامة للدول المصدقة لقضاتها وللمدعي العام، وتطبق قواعد قانونية سواء في النصوص العقابية أو الإجرائية محددة ومعرفة سلفا ولا تسري إلا علي الوقائع اللاحقة،

أم الأفضل أن يقوم مجلس الأمن - جريا علي عادته في الوقائع سالفة الذكر - بتشكيل محكمة خاصة لدارفور مكونة من قضاة تختارهم الدول الخمس دائمة العضوية، بما فيهم الولايات المتحدة ليطبقوا نصوصا غير محددة سلفا.

٣- ولئن كانت القاعدة في الاتفاقيات أو المعاهدات الدولية ألا تطبق أحكامها إلا علي الدول التي صادقت عليها، وهو ما لا يستلزم، بداهة، نصابًا معينًا لسريان الاتفاقية أو المعاهدة، فتسري بأثر فوري بين أطرافها ولو اقتصرت علي دولتين فقط، فإن السؤال هو: لماذا اشترطت اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية لسريانها نصابا هو مصادقة ستين دولة من الدول الموقعة عليها، وهو ما استغرق أربع سنوات؟

والإجابة أنه لو كانت تسري فقط علي الدول المصدقة لما تطلبت هذا النصاب، ولكنها - كما سنري - تسري أيضا علي الدول غير المصادقة في حالتين استثنائيتين فرضتهما قواعد العدالة، هما أن تقبل الدولة غير المصدقة طوعا واختيارا تطبيق أحكام الاتفاقية علي رعاياها، أو أن تكون الحالة قد أرسلت بقرار يصدر من مجلس الأمن وفقا للفقرة «ب» من المادة ١٣ من نظامها الأساسي وهي حالة دارفور.

ولذلك اشترطت الدول المنعقدة في روما نصابا لعدد الدول المصدقة قبل سريان المعاهدة ووضعها موضع التنفيذ، وتم الاتفاق علي عدد ستين دولة كحد أدني. وجدير بالتذكير أن الولايات المتحدة مارست ضغوطا هائلة علي دول العالم لمناهضة المحكمة الجنائية الدولية وحثها علي عدم التصديق علي اتفاقيتها.

٤- المادة ١٣من الاتفاقية تنص علي أنه: «يجوز للمحكمة أن تمارس ولايتها القضائية في جريمة من الجرائم المشار إليها في المادة الخامسة وفقا لأحكام هذا النظام الأساسي. إذن: أ- وقعت حالة حقيقية تتضمن الارتكاب المحتمل لجريمة أو أكثر من الجرائم الواردة في النظام الأساسي أحيلت إلي المدعي العام من دولة طرف في الاتفاقية (أي مصدقة عليها) بالكيفية الواردة في المادة ١٤،

ب- (أو) أحيلت إليه بقرار من مجلس الأمن بمقتضي الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة،

ج- (أو) أن يباشر المدعي العام التحقيق من تلقاء نفسه أو بناء علي معلومات تصله من أي طريق (كدولة ليست طرف في الاتفاقية أو الإعلام أو الضحايا أو منظمات المجتمع المدني أو غيرها) بشرط الحصول علي موافقة «الدائرة التمهيدية» المشكلة من قضاة المحكمة (المادة ١٥). ونلاحظ علي هذا النص:

أولا: إنه استخدم حرف «or أو» التخييري بين الحالات الثلاث ولم يستخدم حرف «and و»، هذا من الناحية اللغوية.

ثانيا: إن القول بأن الفقرة (ب) لا تسري إلا عندما تكون الدولة التي اتهم أحد رعاياها طرفًا في الاتفاقية يدخلها في حكم الفقرة التالية لها ويجعل من الفقرة «ب» لغوا لا قيمة له، والمشرع منزه عنه.

ثالثا: إن وضوح النص وصراحته يمتنع معه اللجوء إلي التفسير ورغم ذلك، فإن فهم هذه الفقرة وفقا لسياق الاتفاقية والغاية منها ووفقا لتاريخ المحاكمات الجنائية الدولية قبلها يقتضي سريان الفقرة «ب» علي الدول التي لم تصدق عليها وليس العكس. وآية ذلك، أن نص المادة ١٢ فقرة ٢ جري علي أنه في الحالتين المنصوص عليهما في الفقرتين «أ» و«ج» لايجوز اتخاذ إجراء ضد دولة ليست طرفًا ما لم توافق مختارة علي خضوعها لأحكام الاتفاقية،

وهو ما يدل بوضوح - بمفهوم المخالفة - علي أن الفقرة «ب» يتم تطبيقها علي الوقائع المحالة من مجلس الأمن ضد شخص أو أشخاص من رعايا دولة ليست طرفًا في الاتفاقية ودون أن يتطلب الأمر موافقتها، وكل ما يشترط في هذه الحالة أن يكون من شأن الوقائع المحالة تهديد الأمن والسلام وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

رابعا: وبسبب هذه الفقرة تحديدا، حاولت الولايات المتحدة تقويض جهود إنشاء المحكمة واستكمال النصاب، وعندما فشلت مساعيها، سارعت لإبرام اتفاقيات ثنائية مع عدة دول، من بينها مصر والأردن تحصنها من محاكمة أحد رعاياها أمام المحكمة الجنائية الدولية كضمانة تضاف إلي حق الفيتو الذي يعوق مجلس الأمن عن إصدار قرار يمسها أو يمس إسرائيل.

خامسا: ألفت انتباه القارئ لأن الاتفاقية حرصت علي استخدام كلمة الحالة حتي تظهر أن الشكوي لا تقبل ضد شخص ما ولكن تقبل عن حالة قد تشكل جريمة، وذلك لضمان ألا تستخدم المحكمة كأداة سياسية ضد شخص معين، فالشكوي تكون عن حالة معينة، ويبدأ التحقيق للتحقق من توافر الحالة، فإذا ثبت صحة الشكوي وأنها تشكل جريمة وفقا لقانون المحكمة يتم توجيه الاتهام إلي مرتكبيها.

٥- والخلاصة أن المادة ١٣ سالفة الذكر تنظم أحوال تحريك الدعوي الجنائية الدولية أمام المحكمة إذا وقعت حالة جدية عن وقوع محتمل لإحدي الجرائم المنصوص عليها، وحصرتها في حالات ثلاث: الحالة الأولي أن تكون بطلب تتقدم به دولة طرف في الاتفاقية ضد أشخاص من رعايا دولة أخري طرف أيضا في الاتفاقية،

تحدد فيه الظروف المحيطة بالوقائع وترفق به المستندات المدعمة (المادة ١٤- ٢) فإذا كانت الشكوي ضد أشخاص من رعايا دولة غير طرف فلا يجوز اتخاذ أي إجراء إلا بقبول الأخيرة بخضوعها لأحكام الاتفاقية (المادة ١٢ فقرة ٢) والحالة الثانية أن تكون محالة من مجلس الأمن، استنادا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ضد دولة ليست طرفا في الاتفاقية،

ودون اشتراط قبولها أو موافقتها علي الخضوع لأحكام الاتفاقية، ولكن لا يجوز اتخاذ أي إجراء بالقبض أو المحاكمة إلا بعد الرجوع - في كل مرحلة - إلي مجلس الأمن، والحالة الثالثة أن تكون محالة من أي دولة ليست طرفًا في الاتفاقية أو أي جهة أخري ضد أشخاص من رعايا دولة طرف في الاتفاقية بشرط حصول المدعي العام علي موافقة الدائرة التمهيدية للمحكمة.

٦- الوسيلة الوحيدة أمام السودان أو أي دولة أخري ترغب في توقي المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية أو المحاكم الإقليمية (القارية) لحقوق الإنسان تكمن في ضمان استقلال القضاء الوطني، نصا وواقعا، بما يتفق مع المعايير الدولية لاستقلال القضاء، وأذكر القارئ والحكومات العربية - بما فيها الحكومة المصرية - أنني حرصت في جميع مداخلاتي من خلال وسائل الإعلام المحلية والدولية والمؤتمرات والندوات منذ سنة ٢٠٠٤،

علي تنبيه الحكومات العربية بأن الشواهد ومجريات الأحداث الدولية بعد انهيار حائط برلين تشير إلي أن مفهوم السيادة الوطنية قد تغير في العالم، وأنه سيتم جلب رؤساء دول ومسئولين لمحاكمات دولية عن انتهاكات حقوق الإنسان أو جرائم ضد الإنسانية، وأن الوسيلة الوحيدة لتوقي هذه المحاكمات هي ضمان استقلال القضاء ونزاهة الانتخابات،

وأن هذين المطلبين لم يعودا مجرد مطلبين شعبيين، بل أصبحا من متطلبات حفظ الأمن الوطني والقومي والوسيلة الوحيدة لسد أبواب التدخل الأجنبي في الشئون الداخلية في ظل النظام العالمي الجديد. ولا حاجة لإعادة التذكير بما اتخذته - ومازالت تتخذه - الحكومة المصرية من إجراءات عقابية ضد جميع قضاة مصر علي ما دعوناها إليه ولم نسألهم عنه أجرا.

٧- استقلالية وحياد المحكمة والمدعي العام ليست محل شك من المجتمع الدولي، وجدير بالتذكير أن جميع قضاة المحكمة والمدعي العام تم انتخابهم من الجمعية العامة للمحكمة، وهي المكونة من الدول الأطراف التي صادقت علي الاتفاقية متحدية رغبة وضغوط الولايات المتحدة واسرائيل، وعدد قضاة المحكمة ١٨ ينتمون لثماني عشرة جنسية مختلفة بالإضافة للمدعي العام وهو أرجنتيني، وجميعهم مشهود لهم في العالم بالكفاءة والنزاهة والحياد،

أما سبب عدم توجيه الاتهام أو محاكمة المسئولين من رعايا الولايات المتحدة وإسرائيل ليس سببه أن المحكمة تكيل بمكيالين أو لأنها غير محايدة، كما يحلو للبعض أن يزعم، ولكن لأن القضاء الوطني في الدولتين مستقل، بنصوص يصادقها الواقع، وفقا للمعايير الدولية لاستقلال القضاء،

وهو أمر لا يستطيع أحد أن ينكره عليهما، فمن أسف أن الذين سيخضعون لهذه المحاكمات الدولية سيكونون من رعايا الدول التي تدل نصوص تشريعاتها أو الواقع العملي فيها علي عدم استقلال القضاء، وهي دائما دول العالم الثالث.

٨- الطلب الصادر من المدعي العام إلي مجلس الأمن بشأن دارفور هو قرار قضائي، ولا يصح أن يوصف بأنه سياسي أو خاضع لتأثيرات سياسية أو ضغوط من أي دولة أو جهة، ولكن يمكن توجيه هذا القول لما يصدر عن مجلس الأمن.

٩- لن أتعرض لموضوع الدعوي والإجراءات التي اتخذت فيها - مادامت في طور التحقيق والمحاكمة - فلا يصح لأحد أن يتعرض لدعوي متداولة برأي أو بنقد أو بمحاولة تأثير علي القضاة أو المحقق، وأرجئ كل ذلك لما بعد الفصل فيها نهائيا.

١٠- لن أزج بنفسي في الشق السياسي من الحديث، ولكني أتساءل: كيف يتعين علينا أن ننصر أخا ظالما؟ وهل يصح التسليم بصفة تمت بالغصب؟ وهل موت الآلاف وتشريد مئات الآلاف لا يسأل عنه ولي الأمر - بفرض أن له هذه الصفة - بينما كان عمر بن الخطاب يخشي أن يسأل عن بعير تعثر في العراق؟ وهل يضيع السودان أو أي بلد عربي إذا حكمه شخص اختاره وبايعه شعبه بإرادة حرة من بين مرشحين متعددين؟

أو كان لديه قضاء مستقل؟ وهل صحيح أن الحاكم العربي الفرد ملهم فيعرف مصلحة شعبه أكثر من الشعب نفسه؟ بالتأكيد يجب أن يحاكم البشير وغيره من الحكام علي جرائمهم في حق شعوبهم وفي حق الإنسانية كلها، وألا يعتد بحصاناتهم فأغلبها اغتصب رغم إرادة الشعوب.

وأخيرا، أتمني علي أستاذي الجليل أن يرجع النظر في الرأي والرأي الآخر، فإن وجد فيما تقدم ذكره ما يقنعه إلي اتفاق، فمرحي باتفاق ليس فيه فضل ولا فضيلة لأحد غيره. وإن لم يجد فمرجع ذلك - لا شك - قصور حجتي، وفي الحالين ضمن كل منا أجرا.

المستشار هشام البسطويسي


نقلا عن: المصري اليوم

المبعوث الأمريكي ريتشارد وليامسون يبدأ مباحثات مع مسئولين سودانيين تشمل قضيتي دارفور والمحكمة الجنائية الدولية



اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية بالقاهرة في 11 أكتوبر لبحث أزمة البشير والمحكمة الجنائية الدولية




الاتحاد الأفريقي: لا تطالبوا بتجميد تحقيق المحكمة الجنائية الدولية الخاص بالرئيس البشير-رسالة إلى مجلس السلم والأمن بالإتحاد الأفريقي





احمد هارون - علي كشيب

احمد هارون - علي كشيب مطلوبين للعدالة الدولية لاتهامهم بجرائم حرب في دارفور



إنضم لقائمة المراسلات

منظمة العفو الدولية

منظمة هيومان رايتس ووتش

مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان